ابن الأثير
31
الكامل في التاريخ
وأمرهم بالتعرّض للفرنج ، وأمرهم أنّهم إذا حمل عليهم الفرنج قاتلوهم شيئا من قتال ، ثمّ تطاردوا لهم ، وأروهم العجز عن مقاتلتهم ، فإذا تبعهم الفرنج استجرّوهم إلى أن يجوزوا موضع الكمين ، ثمّ يعطفوا عليهم ، ويخرج الكمين من خلفهم ، فخرجوا على هذه العزيمة . فلمّا تراءى الجمعان ، والتقت الفئتان واقتتلوا ، أنف فرسان المسلمين أن يظهر عنهم اسم الهزيمة ، وثبتوا ، فقاتلوهم ، وصبر بعضهم لبعض ، واشتدّ القتال وعظم الأمر ، ودامت الحرب ، وطال على الكمناء الانتظار ، فخافوا على أصحابهم فخرجوا من مكامنهم نحوهم مسرعين ، وإليهم قاصدين ، فأتوهم وهم في شدّة الحرب ، فازداد الأمر شدّة على شدّة ، وكان فيهم أربعة أمراء من ربيعة وطيّ ، وكانوا يجهلون تلك الأرض ، فلم يسلكوا مسلك أصحابهم ، فسلكوا الوادي ظنّا منهم أنّه يخرج بهم إلى أصحابهم ، وتبعهم بعض مماليك صلاح الدين ، فلمّا رآهم الفرنج بالوادي علموا أنّهم جاهلون فأتوهم وقاتلوهم . وأمّا المملوك فإنّه نزل عن فرسه ، وجلس على صخرة ، وأخذ قوسه بيده ، وحمى نفسه ، وجعلوا يرمونه بسهام الزنبورك وهو يرميهم فجرح منهم جماعة وجرحوه جراحات كثيرة ، فسقط فأتوه وهو بآخر رمق ، فتركوه وانصرفوا وهم يحسبونه ميّتا ، ثمّ إنّ المسلمين جاءوا من الغد إلى موضعهم ، فرأوا القتلى « 1 » ، ورأوا المملوك حيّا ، فحملوه في كساء ، وهو يكاد لا يعرف من [ كثرة ] الجراحات ، فأيسوا من حياته ، فأعرضوا [ عنه وعرضوا ] عليه الشهادة ، وبشّروه بالشهادة ، فتركوه ، ثمّ عادوا إليه ، فرأوه وقد قويت نفسه ، فأقبلوا عليه بمشروب ، فعوفي ، ثمّ كان بعد ذلك لا يحضر مشهدا إلّا كان له فيه الأثر العظيم .
--> ( 1 ) . فواروا القتلى . A